تخطى إلى المحتوى الرئيسي

عمالقة التقنية تسرح عشرات الآلاف: هل الذكاء الاصطناعي هو السبب الحقيقي؟

فريق جلتش
منذ 4 ساعات0 مشاهدة7 دقائق
عمالقة التقنية تسرح عشرات الآلاف: هل الذكاء الاصطناعي هو السبب الحقيقي؟

تكشف Oracle عن تسريح 21 ألف موظف بسبب الذكاء الاصطناعي، لتنضم لعمالقة التقنية التي تخفض القوى العاملة. هذا يثير تساؤلات حول العلاقة بين النمو الهائل لشركات التقنية وتأثير الـ AI على الوظائف.

مقدمة تحليلية

في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في سوق العمل التقني، كشفت شركة Oracle مؤخراً عن خفض قوتها العاملة بنحو 21,000 موظف خلال الاثني عشر شهراً الماضية، أي ما يعادل 13% من إجمالي موظفيها. لم يكن هذا مجرد تخفيض عادي، بل أوضحت الشركة في إيداعها التنظيمي السنوي لعام 2026 أن «تبني ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر عملياتنا قد أدى، وقد يستمر في أن يؤدي، إلى تخفيضات في قوتنا العاملة».

هذا الكشف يضع أرقاماً جديدة أمام ظاهرة باتت تشعر بها الصناعة التقنية كـ'وباء': شركات تحقق إيرادات قياسية بينما تقوم في الوقت ذاته بتقليص أعداد موظفيها، مشيرة إلى الذكاء الاصطناعي كالمحرك للنمو والدافع وراء التخفيضات. وقد وصل عدد التسريحات في قطاع التقنية إلى أعلى مستوى شهري له منذ سنوات في مايو، وكان الذكاء الاصطناعي هو السبب الأكثر ذكراً، وفقاً لشركة Challenger, Gray & Christmas.

تتجاوز هذه الظاهرة Oracle لتشمل مجموعة واسعة من عمالقة التقنية، مثل Google، Meta، PayPal، وغيرها، الذين أعلنوا عن تسريحات كبيرة مع إشارات صريحة أو ضمنية لتأثير AI. يثير هذا التناقض الصارخ بين النمو المالي الهائل لشركات التقنية وتقلص أعداد موظفيها تساؤلات حاسمة حول ماهية هذه التحولات، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي هو حقاً المحرك الوحيد، أم أنه بات شماعة لقرارات أخرى.

التحليل التقني

تتنوع الأسباب والأساليب التي تستخدمها الشركات لتبرير تسريحاتها بداعي الذكاء الاصطناعي، لكن القاسم المشترك هو إعادة توجيه الموارد نحو قدرات AI الجديدة. على سبيل المثال، أعلنت GitLab في 3 يونيو 2026 عن تسريح حوالي 350 عاملاً، أي 14% من موظفيها، لتمويل الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والتعامل مع حركة المرور المتزايدة من أعباء عمل AI (AI workloads). وصرح الرئيس التنفيذي بيل ستابلز أن الشركة بدأت في «إعادة بناء جيلية» لبنيتها التحتية الأساسية لدعم ما أسماه متطلبات نمو تصل إلى 100 ضعف.

  • Google: خلال مايو 2026، قامت Alphabet's Google بتسريح موظفين بهدوء عبر قسمها السحابي، بما في ذلك فرق الأمن السيبراني المرتبطة بـ Threat Intelligence Group وMandiant، رغم نمو إيرادات Cloud بنسبة 63% لتتجاوز 20 مليار دولار. كما خفضت Google أكثر من ثلث مديري الفرق الصغيرة (35%)، مع تقديرات خارجية تشير إلى أن إجمالي تسريحات 2026 يتراوح بين 1,500 و 3,000+ مهندس.
  • Intuit: أعلنت في 20 مايو 2026 عن خطط لإلغاء حوالي 3,000 وظيفة (17% من إجمالي القوى العاملة) في إعادة هيكلة تركز على تقليل التعقيد وإعادة تخصيص الموارد نحو AI.
  • Meta: قامت بتسريح حوالي 8,000 موظف (10% من القوى العاملة) بين 20-21 مايو 2026، بينما نقلت حوالي 7,000 موظف إلى أدوار جديدة تركز على AI.
  • Cisco: أعلنت في 14 مايو 2026 عن خفض ما يقرب من 4,000 وظيفة (5% من القوى العاملة)، رغم تحقيق أرباح وإيرادات فاقت التوقعات، مشيرة إلى إعادة توجيه الموارد نحو 'السيليكون، البصريات، الأمن، والذكاء الاصطناعي'.
  • Cloudflare: خفضت حوالي 20% من قوتها العاملة (1,100 شخص) بين 7-8 مايو 2026، مع الإشارة إلى أن AI جعل 1,100 وظيفة 'بلا فائدة'، معظمها في الإدارة الوسطى (measurers)، حتى مع تحقيق إيرادات ربع سنوية قياسية بلغت 639.8 مليون دولار بزيادة 34% على أساس سنوي.
  • Coinbase: أعلنت في 5 مايو 2026 عن خفض حوالي 700 موظف (14% من موظفيها) كجزء من إعادة هيكلة تهدف إلى زيادة كفاءة الذكاء الاصطناعي. ذكر الرئيس التنفيذي براين أرمسترونغ أن AI «غيّر وتيرة العمل بشكل كبير»، مما يمكن المهندسين من إنجاز مهام كانت تستغرق أسابيع في أيام.
  • PayPal: أعلنت في 5 مايو 2026 عن خطط لخفض حوالي 20% من قوتها العاملة على مدى السنتين إلى الثلاث سنوات القادمة (أكثر من 4,500 وظيفة). تتضمن الاستراتيجية اعتماد AI بشكل مكثف في عمليات التطوير، خدمة العملاء، وإدارة المخاطر، وتشكيل فريق جديد لـ'تحول وتبسيط الذكاء الاصطناعي'.
  • Microsoft: قدمت عروض شراء لإنهاء الخدمة طوعاً بين أبريل ومايو 2026، مع إعلان المديرة المالية آمي هود عن انخفاض إجمالي عدد الموظفين على أساس سنوي مع التركيز على «بناء فرق عالية الأداء تعمل بوتيرة ورشاقة» وسط زيادة الاستثمار في AI.
  • Snap: خفضت حوالي 16% من قوتها العاملة العالمية (حوالي 1,000 موظف) في 16 أبريل 2026، مع إغلاق أكثر من 300 وظيفة شاغرة. أشار الرئيس التنفيذي إيفان شبيغل إلى أن التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي يُمكّن الفرق من «تقليل العمل المتكرر وزيادة السرعة».
  • IBM: شهدت تسريحات مستمرة على مدار 2026، مع تقديرات تتراوح بين 3,000 إلى 9,000 وظيفة أمريكية. وقد حلت وكلاء AI محل حوالي 200 وظيفة في الموارد البشرية.
  • Dell: انخفض إجمالي قوتها العاملة بنحو 10% (حوالي 11,000 وظيفة) في السنة المالية 2026، مع توقعات بمضاعفة إيرادات خوادمها المحسنة للذكاء الاصطناعي في السنة المالية 2027.
  • Block: قامت بخفض 4,000 وظيفة (ما يقرب من نصف قوتها العاملة) في فبراير 2026، مع إشارة جاك دورسي إلى أن «أدوات الذكاء التي ننشئها ونستخدمها، مقترنة بفرق أصغر وأكثر تسطحاً، تمكن طريقة جديدة للعمل».
  • Salesforce: سرحت أقل من 1,000 موظف عبر أقسام متعددة، بما في ذلك وحدة Agentforce AI الخاصة بها. ذكرت الشركة أن «فوائد وكفاءات Agentforce أدت إلى انخفاض عدد حالات الدعم التي نتعامل معها، ولم نعد بحاجة إلى توظيف مهندسي دعم».

هذه الأمثلة تُظهر كيف تقوم الشركات بإعادة تصميم هياكلها التنظيمية وعملياتها الجوهرية، مستفيدة من قدرات AI لأتمتة المهام، تبسيط الطبقات الإدارية، وتعزيز الإنتاجية، حتى لو كان الثمن هو تقليل الحاجة إلى القوى العاملة البشرية في بعض الأدوار.

السياق وتأثير السوق

تأتي هذه الموجة من التسريحات، التي تُعزى إلى الذكاء الاصطناعي، في سياق معقد. فمن ناحية، شهدت العديد من هذه الشركات طفرة توظيف غير مسبوقة خلال جائحة كورونا، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التخفيضات هي ببساطة تصحيح لتلك الزيادة المفرطة في التوظيف، يُعاد تغليفها تحت مظلة الـ AI. يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم كذريعة ملائمة لتبرير قرارات صعبة كان من الممكن اتخاذها على أي حال.

من ناحية أخرى، فإن هذه الظاهرة تؤثر بشكل كبير على سوق العمل التقني. ففي مايو، سجلت تسريحات عمال التقنية أعلى مستوى لها منذ سنوات، حيث كان الذكاء الاصطناعي هو السبب الأكثر استشهاداً به. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل تعكس واقعاً مريراً لعشرات الآلاف من المهنيين الذين يجدون وظائفهم مهددة بتقنيات كان يُفترض أنها تخلق فرصاً جديدة. كما أن التحول نحو «فرق من شخص واحد» و«تسوية الطبقات الإدارية» يغير ديناميكيات العمل التقليدية، ويضغط على الموظفين لتبني مهارات جديدة بسرعة أو المخاطرة بفقدان وظائفهم.

تثير هذه التطورات قلقاً متزايداً بشأن التأثير الاجتماعي والاقتصادي الأوسع للذكاء الاصطناعي، حيث تتراكم الثروات والإيرادات في قمة الهرم التقني، بينما تتآكل قاعدة الوظائف التقليدية. هذا التناقض بين النمو المالي لشركات التقنية وتأثيره على قوتها العاملة يخلق توتراً يمكن أن يصبح «برميلاً من البارود»، كما وصفت مقالات سابقة الوضع.

رؤية Glitch4Techs

إن رؤيتنا في Glitch4Techs لهذه الظاهرة متعددة الأوجه. فمن جانب، لا يمكن إنكار القدرة التحويلية للذكاء الاصطناعي على أتمتة المهام وزيادة الكفاءة، مما يؤدي بالضرورة إلى إعادة تقييم الأدوار الوظيفية. الشركات التي تستثمر بجدية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل GitLab وOracle، تشهد تحولاً حقيقياً في نموذج عملها قد يتطلب قوة عاملة أقل عدداً ولكن أكثر تخصصاً.

ومع ذلك، هناك حدود واضحة ومخاوف جدية. إن الاستناد إلى الذكاء الاصطناعي كسبب وحيد للتسريحات، خاصة عندما تحقق الشركات أرباحاً قياسية، يفتقر إلى الشفافية الكاملة. فقد تكون هذه التخفيضات أيضاً نتيجة لسوء التخطيط الاستراتيجي، أو تصحيحاً لزيادة التوظيف التي حدثت خلال فترة الجائحة، ويتم استخدام AI كغطاء لتبسيط السرد العام. تثير هذه الظاهرة تساؤلات أخلاقية حول مسؤولية الشركات تجاه موظفيها والمجتمعات التي تعمل فيها.

على الصعيد الأمني، فإن تقليص فرق الأمن السيبراني (كما حدث في Google Cloud) مع الاعتماد المتزايد على الأنظمة المعقدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح الباب أمام ثغرات أمنية جديدة وغير متوقعة. إن الفرق الأصغر و«الطبقات الإدارية المسطحة» قد تؤدي إلى نقص في الرقابة والتدقيق الضروريين لضمان أمن الأنظمة الجديدة. نتوقع زيادة في الطلب على المتخصصين في AI ethics والأمن السيبراني المتخصص في AI، في حين ستستمر الأدوار التقليدية في التآكل.

نتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المدى القريب، مع تركيز الشركات على بناء فرق عمل أكثر رشاقة ومهارة في التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي. هذا يضع ضغطاً هائلاً على الأفراد والمؤسسات لتطوير مهاراتهم باستمرار. السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الوظائف، بل كيف ستتكيف الشركات والمجتمعات مع هذا التغيير العميق بطريقة عادلة ومستدامة.

أعجبك المقال؟ شاركه

النشرة البريدية

كن أول من يعرف بمستقبل التقنية

أهم الأخبار والتحليلات التقنية مباشرة في بريدك.