تخطى إلى المحتوى الرئيسي

مبادرة بريطانية جديدة لإنهاء هيمنة Visa وMastercard على المدفوعات

فريق جلتش
4 يونيو0 مشاهدة5 دقائق
مبادرة بريطانية جديدة لإنهاء هيمنة Visa وMastercard على المدفوعات

تسعى مبادرة مدفوعات بريطانية جديدة إلى كسر الاحتكار الثنائي لشركتي Visa وMastercard. يركز المشروع على تقديم بدائل تقنية منخفضة التكلفة للتجار والمستهلكين.

مقدمة تحليلية

تتحكم شبكتا Visa وMastercard في أكثر من 95% من سوق المدفوعات الرقمية في المملكة المتحدة، مما يمنحهما نفوذاً احتكارياً شبه مطلق يتيح لهما فرض رسوم مرتفعة على التجار والشركات. وفي خطوة تهدف إلى إعادة رسم خريطة المعاملات المالية، أُطلقت مبادرة مدفوعات بريطانية جديدة تهدف بشكل مباشر إلى كسر هذه الهيمنة وتوفير بنية تحتية بديلة وأكثر مرونة. تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى خفض تكاليف التشغيل التي تتحملها قطاعات التجزئة والخدمات، وتعزيز بيئة الابتكار في قطاع التكنولوجيا المالية البريطاني الذي يشهد نمواً متسارعاً.

إن مواجهة عمالقة الدفع التقليديين ليست مجرد معركة تجارية، بل هي إعادة صياغة لآليات معالجة الأموال ونقلها. وبالرغم من أن البيانات التفصيلية المتعلقة بالجهات التمويلية المباشرة والميزانية التأسيسية الدقيقة لهذه المبادرة تُعد بيانات غير متوفرة بسبب قيود الوصول إلى التقارير الأولية، إلا أن التوجه العام يوضح رغبة الهيئات التنظيمية والتكتلات المصرفية في بريطانيا في دعم حلول بديلة ومستقلة.

تأتي هذه المبادرة في وقت حساس تواجه فيه الهيئات التنظيمية مثل هيئة نظم الدفع (PSR) ضغوطاً متزايدة للحد من الرسوم الإضافية ورسوم التبادل التي تفرضها شبكات بطاقات الائتمان. ومن المتوقع أن تلعب التقنيات الرقمية المتقدمة دوراً حاسماً في تسهيل عمليات الدفع الفوري والمباشر دون الحاجة إلى المرور عبر قنوات التحقق التقليدية والمعقدة للشبكات الاحتكارية.

التحليل التقني

يعتمد التحدي التقني الحقيقي لشبكات Visa وMastercard على استبدال نموذج البطاقات التقليدي بنظام يعتمد على المدفوعات الفورية من حساب إلى حساب (Account-to-Account - A2A). هذا النموذج يرتكز أساساً على واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة (Open Banking APIs) التي تتيح نقل الأموال مباشرة من حساب العميل المصرفي إلى حساب التاجر دون وسيط مالي تقليدي.

تتطلب هذه البنية التحتية مواصفات تقنية صارمة لضمان موثوقية العمليات وسرعتها الاستثنائية:

  • بروتوكولات الأمان والحماية: الاعتماد الفوري على معايير المصادقة القوية للعملاء (SCA) واستخدام بروتوكول OAuth 2.0 المطور لتأمين تدفق البيانات الحساسة وحماية الهويات الرقمية للمستخدمين من الاختراقات المحتملة.
  • زمن الاستجابة والاستدعاء (API Latency): معالجة المعاملات المالية الحيوية في زمن استجابة يقل عن 200 ميلي ثانية، لضمان تجربة مستخدم تضاهي سرعة ملامسة بطاقات الدفع اللاسلكية التقليدية.
  • التوافقية والربط المشترك (Interoperability): القدرة على التكامل البرمجي السلس مع الأنظمة البنكية الأساسية (Core Banking Systems) لمختلف المصارف التجارية عبر برمجيات ربط موحدة ومستقرة.
  • آليات التسوية اللحظية: الاعتماد على نظام المدفوعات الفورية البريطاني (Faster Payments Service) لضمان إتمام عمليات التسوية ونقل السيولة بشكل لحظي ومستمر على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

لكن، لضمان استقرار هذا النظام المالي البديل، يجب على المطورين التغلب على عقبات فنية معقدة تتعلق بإدارة المخاطر والحد من عمليات الاحتيال المتطورة. بينما تقدم شبكات البطاقات التقليدية حماية قوية للمستهلكين من خلال آليات مثل استرداد الأموال وتتبع العمليات الاحتيالية، فإن أنظمة الدفع المباشر من حساب إلى حساب تفتقر تاريخياً إلى هذه المرونة والضمانات الأمنية البديهية للمستهلك العادي. ولذلك، تسعى المبادرات الجديدة إلى تطوير طبقات برمجية إضافية لإدارة النزاعات وحل الشكاوى آلياً عبر الذكاء الاصطناعي. وتجدر الإشارة إلى أن البنية البرمجية الدقيقة وقائمة الشركاء التقنيين الأوائل لهذه المبادرة تظل بيانات غير متوفرة في الوقت الراهن لعدم توفر الوصول الكامل للمستندات التشغيلية للمشروع.

السياق وتأثير السوق

تاريخياً، حاولت عدة دول وحكومات كسر السيطرة الثنائية لشركات الدفع الأمريكية العملاقة التي تفرض شروطاً قاسية على الاقتصادات المحلية. في البرازيل، نجح نظام Pix الذي أطلقه البنك المركزي البرازيلي في إحداث ثورة مالية شاملة، ليصبح الوسيلة المفضلة لملايين السكان متفوقاً تماماً على البطاقات الائتمانية والبطاقات المدينة التقليدية خلال فترة زمنية قياسية لم تتجاوز العامين. وفي الهند، حققت واجهة المدفوعات الموحدة (UPI) نجاحاً مشابهاً على نطاق واسع عبر تحويل العمليات النقدية والبطاقات الورقية إلى مدفوعات فورية تعتمد بالكامل على مسح رموز الاستجابة السريعة (QR Codes) بواسطة الهواتف الذكية منخفضة التكلفة.

في بريطانيا، يحمل هذا التحول التقني أبعاداً اقتصادية بالغة الأهمية؛ إذ يعاني صغار التجار وأصحاب المشاريع المتوسطة من استنزاف مستمر لهوامش أرباحهم بسبب الرسوم المتصاعدة للعمليات (Interchange Fees & Scheme Fees). إذا تمكنت المبادرة البريطانية الجديدة من اقتطاع حصة سوقية معقولة تبلغ حوالي 15% خلال السنوات الثلاث القادمة، فإن ذلك سيوفر مليارات الجنيهات الإسترلينية التي كانت تذهب سابقاً كأرباح صافية لشركات معالجة الدفع العملاقة في الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، يمثل هذا التوجه الاستراتيجي تهديداً مباشراً لنموذج أعمال البنوك المصدرة للبطاقات التي تعتمد تاريخياً على العوائد المشتركة مع شبكات الدفع الكبرى لتغطية تكاليف برامجها التشغيلية.

رؤية Glitch4Techs

من منظور تقني ونقدي صارم، نرى في منصة Glitch4Techs أن نجاح أي نظام مدفوعات بديل لا يتوقف مطلقاً على كفاءة التعليمات البرمجية أو انخفاض التكلفة التشغيلية فحسب، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً وعضوياً بمدى تبني المستخدم النهائي (User Adoption) وسلاسة تجربة العميل (UX). إن عادات المستهلكين المتمثلة في تمرير الهاتف الذكي أو البطاقة البلاستيكية لإتمام الدفع في ثانية واحدة تُعد من أصعب السلوكيات الاستهلاكية التي يمكن تغييرها أو استبدالها بدون حوافز ملموسة وواضحة.

تواجه المبادرة البريطانية الجديدة تحديات جوهرية يتعين على القائمين عليها معالجتها بجدية مطلقة:

  • غياب برامج الولاء والمكافآت: تعتمد شبكات البطاقات التقليدية على برامج مكافآت ضخمة واسترداد النقود لجذب المستهلكين وحثهم على الإنفاق، وهي ميزة تفتقر إليها مدفوعات الحساب المباشر بالكامل في الوقت الحالي.
  • مخاطر الأمن السيبراني المتزايدة: إن ربط الحسابات البنكية الشخصية مباشرة بنقاط البيع لدى التجار يزيد بشكل مباشر من جاذبية هذه الأنظمة لمجموعات القراصنة ومحترفي هجمات الهندسة الاجتماعية المعقدة والتحايل الرقمي.
  • مقاومة التغيير من المؤسسات المصرفية: قد تبدي البنوك التقليدية الكبرى مقاومة صامتة وغير معلنة لتفعيل هذه الميزات الجديدة بشكل كامل، رغبة منها في حماية أرباحها الطائلة الناتجة عن عمولات البطاقات البلاستيكية التقليدية.

في نهاية المطاف، نتوقع أن تشهد الساحة المالية البريطانية خلال السنوات القادمة حرباً تكنولوجية شرسة لفرض السيادة على قطاع المدفوعات الصاعد. لن تقف شركتا Visa وMastercard مكتوفتي الأيدي أمام هذه التحركات الجريئة؛ بل ستتجهان على الأرجح إلى الاستحواذ المباشر على شركات التكنولوجيا المالية الناشئة التي تقف وراء تقنيات الدفع المباشر، أو خفض الرسوم بشكل مؤقت وتكتيكي لعرقلة نمو وتطور المنافسين الجدد قبل استفحال خطرهم. ورغم أن غياب التفاصيل الفنية الكاملة وقائمة الجهات المؤسسة الحقيقية لهذه المبادرة، والتي تظل بيانات غير متوفرة، يعوق تقديم حكم قاطع ونهائي على مصيرها، إلا أن المؤكد هو أن المعركة قد بدأت بالفعل، وأن المستفيد الأكبر في نهاية هذه الجولة سيكون بلا شك التاجر والمستهلك الذكي الذي يجيد اختيار أدواته المالية بعناية فائقة.

أعجبك المقال؟ شاركه

النشرة البريدية

كن أول من يعرف بمستقبل التقنية

أهم الأخبار والتحليلات التقنية مباشرة في بريدك.