إنفاق OpenAI البالغ 50 مليار دولار يثير سباقاً لإنهاء عصر المحولات

تعتزم شركة OpenAI إنفاق 50 مليار دولار على الحوسبة في عام 2026، بحسب تقديرات رئيس الشركة، جريج بروكمان. هذا الرقم يعكس التكلفة الباهظة لتشغيل وتطوير نماذج اللغة الكبيرة…
مقدمة تحليلية
تعتزم شركة OpenAI إنفاق 50 مليار دولار على الحوسبة في عام 2026، بحسب تقديرات رئيس الشركة، جريج بروكمان. هذا الرقم يعكس التكلفة الباهظة لتشغيل وتطوير نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) التي تعتمد بشكل كامل على بنية «المحولات» (transformers). هذه البنية، التي وصفها باحثو الذكاء الاصطناعي في جوجل عام 2017 في ورقتهم البحثية “Attention Is All You Need”، أصبحت المحرك الأساسي لكل نموذج لغة كبير رائد في السوق بعد تسع سنوات من ظهورها. لكن المحولات بدأت تظهر عليها علامات التقادم.
فالتقدم الأخير في نماذج اللغة، مثل تطوير نماذج التفكير (reasoning models) وقدرتها على معالجة كميات هائلة من المدخلات، ليس امتداداً طبيعياً لهذه التقنية الأساسية، بل هو حلول مؤقتة تعالج عيوبها الجوهرية. تُشير مراجعة MIT Technology Review، بتاريخ 2026-08-10، إلى أن هذه الصناعة تتجه نحو جيل جديد من النماذج، أُطلق عليها اسم LLMs+، حيث تتنافس شركات ناشئة لإعادة تعريف كيفية بناء هذه النماذج الأساسية. بعض هذه الشركات ستفشل بلا شك، لكن جميعها تخاطر بمقدار أقل بكثير من الشركات الكبرى.
التحليل التقني
تكمن القوة الأساسية للمحولات في آلية تُعرف باسم «الانتباه الكثيف» (dense attention)، التي تُشفر معنى كتلة من النص في سلسلة من الأرقام. تتضمن هذه العملية مقارنة كل كلمة (أو جزء من كلمة يُعرف بـ token) في النص بكل كلمة أخرى عبر شكل من أشكال الضرب. على الرغم من دقتها الملحوظة في التقاط معنى النص، تزداد الحسابات المطلوبة لمعالجة النص بشكل كبير مع زيادة طوله. فوثيقة مكونة من 10,000 كلمة قد تتطلب من المحول إجراء 50 مليون عملية ضرب.
هذا هو السبب الرئيسي وراء استهلاك نماذج اللغة الكبيرة لكميات هائلة من الطاقة، حيث تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي استهلاك الكهرباء لمراكز البيانات سيتضاعف بحلول عام 2030.
إعادة التفكير في آلية الانتباه
تعالج بعض الشركات الناشئة المشكلة بشكل مباشر بتغيير آلية الانتباه. فـ «الانتباه المتفرق» (sparse attention) يجري العمليات الحسابية على بعض أزواج الكلمات فقط بدلاً من كلها، مما يقلل جذرياً من حجم الحسابات المطلوبة. تزعم شركة Subquadratic، ومقرها ميامي، أنها طورت أول آلية انتباه متفرق تنافس أفضل نماذج اللغة الكبيرة السائدة في مهام مثل البحث والبرمجة عبر نموذجها SubQ، رغم وجود شكوك في الصناعة. تدّعي الشركة أن آلافاً اشتركوا في قائمة الانتظار.
في المقابل، تُقدم Manifest AI، ومقرها سان فرانسيسكو، آلية «الاحتفاظ بالقوة» (power retention) التي تستبدل الانتباه بالكامل، وتخزن المعلومات الأكثر صلة فقط، مما يمنع تضخم حجم البيانات التي يجب على النموذج تتبعها. تدّعي Manifest AI تحديث هذه التقنيات لإنشاء نماذج يمكنها منافسة النماذج القائمة على المحولات لأول مرة. وقد حولت نموذج StarCoder مفتوح المصدر إلى PowerCoder باستخدام تقنيتها، وأصدرت نموذج Brumby الذي تزعم أنه ينافس بعض إصدارات نموذج Qwen الشهير مفتوح المصدر من Alibaba. يرى كارليس جيلادا، المؤسس المشارك والمدير التقني لشركة Manifest AI، تطبيقات واسعة النطاق، من تحليل مقاطع الفيديو التي تستغرق ساعات إلى بناء وكلاء يمكنهم البقاء على مهمة لأسابيع.
نماذج أصغر وأكثر مرونة
تعمل Liquid AI، وهي شركة ناشئة من معهد MIT في كامبريدج، ماساتشوستس، على تطوير نماذج أساسية سائلة (LFMs) تجمع بين شبكاتها العصبية السائلة (liquid neural networks) والمحولات (20% محولات، 80% شبكات عصبية سائلة). هذه النماذج، المستوحاة من أدمغة الديدان، هي امتداد للشبكات الالتفافية (convolutional networks) وتسمح للنموذج بتكييف سلوكه مع المعلومات الجديدة والتعلم أثناء العمل، وهو ما لا يمكن للمحولات فعله. تُصمم نماذج Liquid AI لتكون أصغر بكثير وتستهلك طاقة أقل من معظم نماذج اللغة الكبيرة، حيث يمكن تشغيل أحدث نماذجها على جهاز Raspberry Pi الذي يكلف 50 دولاراً. وقد بلغت الشركة 34 مليون عملية تنزيل لنماذجها المجانية للمؤسسات التي يقل دخلها السنوي عن 10 ملايين دولار.
وتُنافس نماذجها أداء النماذج المنافسة التي هي أكبر منها بأربعة أضعاف، بما في ذلك إصدارات من Qwen من Alibaba وGemma مفتوح المصدر من جوجل، بحسب رامينا حساني، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لـ Liquid AI.
توليد النص دفعة واحدة
نماذج اللغة الكبيرة تنتج مخرجاتها كلمة بكلمة، وهو أمر غير فعال للحواسيب. Inception، شركة ناشئة في بالو ألتو، كاليفورنيا، تتبع نهجاً مختلفاً من خلال بناء نماذج لغة كبيرة باستخدام تقنية الانتشار (diffusion)، المعروفة في نماذج توليد الصور والفيديو. تقوم نماذج الانتشار الخاصة بـ Inception بتحويل سلسلة عشوائية من الكلمات إلى جمل منطقية، مما يجعل المحولات تؤدي المزيد بجهد أقل. يدّعي ستيفانو إيرمون، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لـ Inception، أن نموذج شركته Mercury 2 يُقدم أداءً يماثل بعض نماذج GPT-4 من OpenAI (2023) ولكنه أسرع بـ 10 مرات.
في عام 2024، اكتشف هو وزملاؤه في جامعة ستانفورد الرياضيات اللازمة لتطبيق نماذج الانتشار على النص، مما أدى إلى بناء نموذج انتشار أسرع بـ 10 مرات من GPT-2 من OpenAI (2019).
تجاوز قيود الكلمات
تقدم Pathway، شركة ناشئة أخرى في بالو ألتو، نموذج Dragon Hatchling الذي يهدف إلى تحرير نماذج اللغة الكبيرة من قيود اللغة. يستبدل هذا النموذج آلية الانتباه بهيكل رياضي يُسمى «فضاء الحالة» (state space)، الذي يضغط المعلومات إلى تمثيل أكثر تجريداً بدلاً من الترميز كلمة بكلمة. يسمح هذا للنموذج بمعالجة وإنتاج النص، ولكنه يمكنه أيضاً محاكاة أشكال من التفكير لا تتضمن تسلسلات الكلمات. حقق Dragon Hatchling نتيجة مميزة في اختبار صعب يتضمن أكثر من 250,000 لغز سودوكو صعب للغاية، حيث حل أكثر من 97% من الألغاز، بينما فشلت عدة نماذج لغة كبيرة رائدة من المختبرات الكبرى في حل أي منها.
تؤكد زوزانا ستاميروفسكا، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لـ Pathway، أن المحولات كانت مجرد «راحة هندسية» وأنه من السذاجة الاعتقاد بأن اختراقاً لن يحدث مرة أخرى.
السياق وتأثير السوق
إن الارتفاع المتوقع في إنفاق شركات مثل OpenAI، الذي سيصل إلى 50 مليار دولار في عام 2026 على القوة الحاسوبية، يضع ضغوطاً هائلة على الهياكل القائمة. هذه التكاليف الضخمة وتوقعات وكالة الطاقة الدولية بتضاعف استهلاك الكهرباء لمراكز البيانات بحلول عام 2030 تُشكل حافزاً مباشراً للبحث عن بدائل. فالشركات الناشئة في هذا المجال، مثل Subquadratic وManifest AI وLiquid AI وInception وPathway، تُراهن على تغيير جذري في البنية الأساسية لنماذج اللغة الكبيرة، وجميعها لديها فرصة كبيرة للنجاح، مع خسائر محتملة أقل مقارنة بالشركات الرائدة حالياً. Manifest AI، على سبيل المثال، تسعى لجعل تقنية الاحتفاظ بالقوة الخاصة بها الحل الأمثل للمهام التي تتطلب معالجة كميات ضخمة من البيانات، متنافسة بذلك مع النماذج السائدة التي تعاني من قيود «نافذة السياق» الخاصة بالمحولات.
Liquid AI تنافس نماذج بحجم Qwen من Alibaba وGemma من جوجل بأداء مماثل رغم كونها أصغر بأربعة أضعاف، و Inception نموذج Mercury 2 الخاص بها يدّعي أداءً يماثل بعض نماذج GPT-4 من OpenAI، مع سرعة تزيد بـ 10 مرات، بعد أن كانت نماذجها الأولية أسرع بـ 10 مرات من GPT-2 في عام 2024. هذه المقارنات المباشرة تُشير إلى أن المعيار الجديد ليس فقط القدرة الحاسوبية الخام، بل «الذكاء مقابل الدولار» (intelligence per dollar)، بحسب ستيفانو إيرمون. بينما تُظهر Pathway أن نماذج اللغة الكبيرة السائدة غير قادرة على التفكير المجرد بفعالية في مهام مثل السودوكو، مما يُشير إلى أن المحولات ليست الأداة المثلى لجميع أشكال التفكير المتطورة.
رؤية Glitch4Techs
المحولات، بعد عقد من هيمنتها، أصبحت عنق الزجاجة لتطوير نماذج اللغة الكبيرة. إنفاق 50 مليار دولار من قبل OpenAI في عام 2026 على الحوسبة يؤكد أن استمرارية النموذج الحالي غير مستدامة. الشركات الناشئة التي تُقدم حلولاً جذرية لآلية الانتباه، أو لتوليد النص، أو لتصميم نماذج أكثر كفاءة، أو حتى لتجاوز قيود اللغة نفسها، تُمثل تحولاً حتمياً. هذا ليس مجرد تعديل، بل هو إعادة هيكلة لمستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ومع ذلك، فإن هذه الابتكارات المبكرة تواجه تحديات حقيقية. ففي حين تتباهى Subquadratic بآلية الانتباه المتفرق SubQ، إلا أن الصناعة لا تزال تُقابل ادعاءاتها بالشك، وهو ما يضع علامة استفهام على مدى جاهزية هذه التقنيات للتبني الواسع النطاق في بيئات الإنتاج الحالية التي تتطلب موثوقية مثبتة. فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه الابتكارات الواعدة إلى حلول مستقرة وقابلة للتوسع التجاري، بعيداً عن حيز النماذج التجريبية.
كن أول من يعرف بمستقبل التقنية
أهم الأخبار والتحليلات التقنية مباشرة في بريدك.



